سيد محمد طنطاوي
98
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الكامل الذي أضعفنى ، وفوق ذلك فإن امرأتي عاقر أي عقيم لا تلد لشيخوختها وبلوغها العمر الذي ينقطع معه النسل ؟ قال بعضهم : وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل ، أو استبعادا من حيث العادة ، أو استعظاما وتعجبا من قدرة اللَّه - تعالى - لا استبعادا أو إنكارا فلا يرد : كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكا في قدرة اللَّه - تعالى - « 1 » . والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما ذا قال زكريا عندما بشرته الملائكة ؟ فكان الجواب : قال رب أنى يكون لي غلام . وقد خاطب زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة ، للإشعار بالمبالغة في التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب من قدرته لأنه - سبحانه - أعطاه ما لم تجر العادة به . قال الآلوسي وقوله * ( يَكُونُ ) * يجوز أن تكون من كان التامة فيكون فاعلها هو قوله * ( غُلامٌ ) * ويكون الظرف * ( أَنَّى ) * والجار والمجرور * ( لِي ) * متعلقان بها . ويجوز أن تكون من كان الناقصة و * ( لِي ) * متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة . وفي الخبر حينئذ وجهان : أحدهما * ( أَنَّى ) * لأنها بمعنى كيف أو من أين والثاني الخبر الجار والمجرور و * ( أَنَّى ) * منصوب على الظرفية » « 2 » . وقوله * ( وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) * جملة حالية من ياء المتكلم ، أي أصابني الكبر وأدركنى فأضعفنى وأفقدنى قوتي . والكبر مصدر كبر الرجل إذا أسن . وقد قال زكريا * ( وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) * ولم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه بالضعف والآلام والأسقام . وقوله * ( وامْرَأَتِي عاقِرٌ ) * جملة حالية أيضا إما من ياء * ( لِي ) * أو ياء * ( بَلَغَنِيَ ) * . فأنت ترى أن زكريا - عليه السّلام - قد أظهر التعجب عندما بشرته الملائكة بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته كانت عقيما لا تلد إما لكبر سنها - أيضا وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد للحمل والإنجاب . قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة » « 3 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 268 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 148 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 42 .